البحث
إعلان
فيسبوكاوي
وراء كل صورة حكاية
التقويم
« مايو 2022 »
أح إث ث أر خ ج س
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
التغذية الإخبارية

التعليم العالي في الصومال بين التقدُّم و التقَادم

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4

 

الدول المتطورة لم يأتي تطورها نتيجة الصدفه وإنما جاء نتيجة إيمانها بأن الإستثمار البشري هو من أفضل أنواع الإستثمارات على الإطلاق ومن أكثرها فعالية وقدره على تطور البلد وانتعاشه على كافة الأصعده والميادين، وأن سيادة البلد ومكانته بين الأمم الآخرى تظهر عن طريق الإهتمام بتطوير الكائن البشري وتعليمه وتغيير سلوكه وتغذيته بالمسارات المعرفية والعقلية التي تسهم في تحقيق ذاته ذلك أنني أعتقد بأن الإنسان المريض يؤدي الى المجتمع المريض والعكس صحيح وأعني بالمرض هنا عدم التطور وعدم التغيير.

 

قيل في السابق " لا غنى أخصبُ من العقلِ، ولا فقرَ أحطُ من الحمق"، من ذلك يتضح لنا ان ليس هناك دولة فقيرة ولا دولة غنية و إنما عقول فقيرة و عقول غنية" .

 

لذا فإن الإهتمام بالعقل البشري وتطويره عن طريق تلميعه وصقله هو الغنى الحقيقي الذي يرجع على الأمه بالخير والرفعة والإزدهار، وأن إستثمار هذه الطاقة العقلية لا يتم بشكله الأمثل الا إذا كان المتصدرون لعملية التربية والتعليم من الذين يمتلكون المؤهلات العلمية والنفسية والشخصية الملائمة للسير بهذه العملية الى بر الأمان.

 

أما إذا تصدى لهذه العملية من غير أهلها وزعموا أنهم أهلٌ لها أدى إلى إنحرفات سلوكية وتدني مستوى العلمي والثقافي... والتي لا طائل لذكرها هنا! وقس على ذلك الرؤساء والقادة التربويين..

 

وأن مثل هذه الأساليب المنحرفة ستؤدي الى بناء جيل مهزوز الثقة بالنفس عاجز عن التعبير بذاته يستشعر الهوان والذل وهذا مايؤثر سلباً على صحته النفسية وتكوينه الشخصي ، ويكون البلد في حقيقة الأمر قد خسر الكثير من الطاقات الإبداعية والخلاقة التي لو وجدت في المحيط التربوي والتعليمي المتفهم والمتبصر بها لأستثمرها على وجه والأكمل، وبالمقابل ستكون مخرجاتنا التربوية في ظل هذه الكوادر البائسة عبارة عن جيل مغترب عن ذاته ومجتمعه محمَّل بالإنحرافات السلوكية التي تُجري الويلات على العباد والبلاد.

 

غدا الأمر واضحاً للجميع أن التعليم العالي في بلادنا صار قاصرا وعاجزا رغم كل ما انفق عليه من أموال، ورغم جميع محاولات التطوير التي تنادي بإصلاحه.

 

فالتعليم العالي في الصومال لم يتمكن من إدراك أهدافه المرجوة التي ما زالت على شكل أحلام بعيدة المنال،لم يتمكن التعليم العالي مع كثرة مؤسساته من المساهمة في نهوض المجتمع الصومالي بشكل حضاري، ولم نشهد أي فروق جوهرية ذات دلالة في مجال تنمية المجتمع سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو فكرياً أو اجتماعياً.

 

بل على عكس المتوقع، نرى أن مشكلات الشعب الصومالي تزايدت، وأمراضها الإجتماعية تعددت ؛ وما المشهد الصومالي الحالي إلا دليل على تردي الحال، فلا نحن واجدون وحدة الصومال إلا في أبيات الشعر والأغاني و أناشيد الوطن التي حاولت إقناعنا بوحدة الشعب التي لم نراها إلا خيالاً.

 

ما نراه في المشهد واقع مأساوي من الشرذمة وأنواع التخلف فلا نرى ثقافة صومالية جديدة نفاخر بها غير انجازات الأجداد السابقة، حتى صار الكل عدو للكل وأصبح الجميع يلبسون نظارات سوداء وقد تحولوا إلى محتكرين للحقيقة، وأدعياء للون واحد من الفهم، فالكل يغني على هواه.

 

لا نرى للأسف حضورا للتعليم العالي في قضايا المجتمع، فقد لاذ أساتذة الجامعات بالفرار، وتقهقروا إلى مكاتبهم مكتفين بالثرثرة التي لا تتجاوز حدود الهمس، كما اختبئوا في بطون الكتب المقررة ينقلونها على علاتها لطلبتهم.

 

غابت العدالة وتلاشى مبدأ تكافؤ الفرص، وحرم العديد من مريدي التعليم فرصا حقيقية للتعلم والنهوض بعد أن صار التعليم سلعة تجارية تباع على شكل كبسولات تسمى ساعات معتمدة إضافة إلى العديد من الرسوم المعلنة والمخفية.

 

لا أظن أن التعليم العالي في بلدنا يلبي حاجات المجتمع كما ينبغي له، فلا نشهد دورا فاعلا للجامعات في الحد من العنف المجتمعي، والتطرف، وقضية التكفير، رغم تواجد المئات ممن اعتقدنا أنهم علماء الأمة، وأيضا عدداً هائلاً من الجامعات.

 

ولكن ظهر العكس، حتى الحرم الجامعي لم يسلم من العنف والتطرف ودعوات الجُهَّالة فصارت من مزايا الجامعات تذهب إلى عطاءات أخرى غير أن تحد من وسائل العنف والتطرف.

 

وأما مقولة أن الجامعات مستقلة ماهي إلا أكذوبة جميلة، هناك جامعات من أجل التجارة تعمل على جمع المال فقط، وأيضا جامعات تزعم أنها دينية تعمل على غرز قيم الإرهاب و التطرف بطريقة غير مباشرة.

 

والحقيقة أن جامعاتنا لم تسلم من قيود القبيلة فمعظم جامعات بلد قبلية تعمل على أساس قبلي حتى أصبحت تلبي إحتياجات القبيلة وتخضع لمطالب القبيلة، وما كثرة الجامعات في البلد وقلة كفاءتها إلا لهذا السبب

 

لم تعمل جامعاتنا على توكيد وحدة الشعب، ولا عملت على الحفاظ على هوية الأمة أو ساهمت في تعميم لغتها القومية التي نتبجح في جمالياتها. ولن تقف جامعاتنا أمام تحديات العصر التي تعصف بمستقبل الأجيال، وذلك لأنها لا تملك من أمرها شيئا.

 

باختصار، وقعت جامعاتنا في فخ البيروقراطية، وصارت أسيرة لوزارات ومؤسسات وهيئات وأهواء قيدتها وشدت وثاقها. وبدل أن تكون الجامعات عقل الأمة وأدواتها للنهوض، صارت فاقدة البصر تنتظر من يأخذ بيدها ويرشدها إلى طريق الخلاص.

 

إننا اليوم أمام تحدٍ خطير بين أن نكون أو لا نكون بين أن نرتقي أو أن ننتكس بين أن نتقدم أو نتقادم وأعتقد بأن الأمر ليس بتلك الصعوبة لو وجدت الضمائر والنوايا الحيه والمفعمة بالإيمان والجدية والحريصة على بناء الجيل الصومالي الحاضر الذي عانى من شتى أنواع الأضطهاد والحرمان والإرهاب.

 

وفي الختام أحب أن أضع وصية قد تسهم إيجاباً في التطور الثقافي والشخصي للكادر التعليمي من أجل مواجهة الصعوبات والتحديات القائمة والتخلص من الموروث اللاتربوي وصولاً الى تحقيق الأهداف التربوية المرسومه للتعليم العالي في الصومال.

 

اوصي المؤسسات التربوية والتعليمية أن تأخذ بنظر الإعتبار تجارب الأمم المتطورة التي سبقتنا كثيراً في ميادين الحياة المختلفه، وينبغي على القادة وأصحاب القرار في الصومال أن يصبوا اهتمامهم لرعاية هذه المؤسسات إن أرادوا حقاً بناء مجتمع متعافي وآمن ومزدهر، وهنا لا بدَّ من تقديم التسهيلات المختلفة لهذه المؤسسات من أجل العمل على إيجاد حالة من المساواة بالنسبة للموارد والظروف التعليمية وفقاً لما هو موجود في بلدان العالم وفي مجالات عديده منها ، عدد الطلبة في الصفوف ، وعدد الطلاب بالنسبة للمعلم الواحد وتحسين بنىة الإتصالات والمكتبات والخدمات المتعلقة بالأرشاد والتوجيه النفسي والتربوي وغيرها من الأمور.

 

و أخيراً أدعوا صادقاً كل المسؤلين في الدولة أن يشجعوا على الأستثمار في هذا القطاع المهم والذي يسهم ان احسن التعامل معه الى بناء وإعداد جيل سوي ينعم بالصحة النفسية السليمة و الفكر السليم التي تحفز استعداداته العقلية للإبداع والإبتكار وبالتالي تسهم في تحقيق ذاته وبهذا نكون قد أسهمنا في تهذيب السلوك الإنساني لدى الفرد وجعله بعيداً عن كل السلوكيات المنحرفة التي نراها ونسمع بها في مجتمعنا الصومالي.

 

والله ولي التوفيق و السداد

 



التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق